منوعات

أونطجية عالم الحداثة

بقلم: داليا الحديدي
كاتبة مصرية

إن شخصًأ لا يفكر يعيش بأوهام مستعارة.
وأعتقد أنه لم ييسر لإبن أدم من خداع أسهل من خداع نفسه.
ولتجدن شخص متوسط الحال، يرتاد الفنادق الفخمة، ويخدع ذاته وأخرين، بسيلفي ينشره على منصات التواصل يشي بأنه من سلالة الأثرياء.
واهٍ لو تمكن بالزج بمفردات أجنبية أو نثر بعض عناوين الكتب الغربية بين جنبات حديثه. فالأمر لن ينكلفه حتى عناء شراء بحث اجنبي يحصل به على شهادة دكتوراه مزورة، بل سيستطيع بكل أريحية أن يضيف حرف “الدال” لاسمه ليصبخ رسميأ العلامة الدكتور “أونطجي باشا”.

وبالمثل، يظلم الأخ “الزلنطحي”أشقائه، بالإمتناع مثلًا، عن منح أخته ميراثها، ثم يجاهر بإرسال شاه الأضاحي لها.
هذه المجاهرة بالهدية لا تهدف لدرء خسيسة حرمان رحمه من الميراث فحسب، لكنها معنية يإقناع نفسه أن شقيقته الرافضة للهدية، هي التي تصمم على قطيعته رُغم محاولاته المتوددة لها بالقرابين.
وحين ينعي زوج “العبان” قرينته الذي اذاقها صنوف الهوان، ثم يرثيها بكلمات ما سمعت المسكينة عشر معيشيرها وهي على قيد الحياة. فهو صدقًا لا يرثيها، لكنه “أونطجي منشورات” يُرمم أشلاء صورته أمام ذاته ليستوي نفسيًا.
لذا، يتفنن في إدهاش محيطه، فيمنع دخول “القلقاس” البيت، ويتعامل معه كثمرة محرمة، لأن المرحومة كانت تعافه. ثم يُعلن أنه ما عاد يستطيع شراء البوظة، لإعتياده على تناولها مع المغفور لها من “قويدر” أو “بكداش”.
■ ■ ■
ثم ترى الكراهية طافحة بالأحقاد في صور مشاحنات بين أبناء عمومة .. ومع هذا، فكبير الأونطة منهم، تجده مُصِرًا للزج بواقعة رقصه في عرس بن عمه كبرهان محبة. وكأن هز هيبته في العرس يعد تعويضًا عن وضع يده على ميراث قريبه.
ثم يصف لك تفاصيل المحادثة الهاتفية، وكيف ارتعش صوته ارتعاش مرضى “باركنسون” مع أول “الو” سمعها من بن دمه، ليدمغ عمق شوقه له رغم الخلافات.
فمن بين “أونطجية البشر” من هم على استعداد ل:
إرعاش أصواتهم خلال المحادثات الهاتفية.
للبكاء على أطلالك كما لو أنها تمطر عشية عيد الميلاد بمدينة “ويلز”.
للرقص في عرسك وهز هيبتهم بمقدار 9 ريختر.
لتسمية مولودهم الأول على إسم من ظلموه.
لكنهم ليسوا لعى استعداد لإصلاح ما افسدوه، بالتعويض عن الخسائر.
■ ■ ■
حتى مع الله، يتلاعبون بهويتهم الإيمانية، فيتمسكون بتمظهرات الدين الغير مُكْلِفة، فيجرمون التنميص،
وبالمقابل، يتفنون في التملص من دفع زكاة الذهب، يبخسون المهور ويتهربون من حقوق المواريث بالبيع الصوري.
يفرغون المساجد من بعدها الديني والتربوي ويتمسكون بقبابها، ليزرعوا داخلها الفتن الطائفية.
يستخدمون الله كفزاعة، فيحرمون المصارف الربوية، فيفزع التُبع لمصارف تسكن أوهامهم عبر تمثيلية “لدينا قسم يعمل وفقا للشريعة”. كمن يفتتح ماخور ويخصص فيه محرابًا لأداء الصلاة.
ما أشرس ضراوة هؤلائ الأونطجية في شن الحرب ضد صغار الآثمين، فيما يغضون الطرف عن عتاة الظلمة ، ولو اثمرت آثامهم غلالًا من الشناعات.
..
فإخوة يوسف عدا -بنيامين ودينا- قد تآمروا لقتله خشية أن يرث النبوة، فتعلوا مكانته عليهم.
وكانوا على شفا “اقْتُلُوا يُوسُفَ”.
فتلاعبهم بنواياهم واضح: “وتكونوا من بعده قومًا صالحين”.
فمن اقترح رميه في غيابت الجب لم يكن أرحمهم، بل أخبثهم:
“قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ..”
لقد خطط ألأونطجي لنفس النتيجة بشكل غير مباشر، وبطريقة تمكنه من التصالح مع الذات بخداعها بوهم الخيرية.
فقد أوهم نفسه وإخوته أنهم برميه في الجب لن يتسببوا مباشرة في قتل الأخ، وإن مات، فالأمر قضاء وقدر.. ثم إنهم ينتوون الصلاح..لاحقًا.
لقد انتوا للجريمة والإستغفار في آنٍ واحد وبتخطيط مسبق، فأوراقهم القانونية سليمة!
ثم استكمالا لمخططات الأونطة، هندسوا التكسب من بيعه كعبد للنخاسين!
: “وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ”.
ثم “وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ”.
ومثلوا دورالأخوة المكلومين..
بعدها تناولوا العشاء، تغشوا زوجاتهم، وعاشوا حياااااة عريضة دون ذرة ندم.
..
بالمقابل، حين قتل “قابيل”، “هابيل”، ووجد يده ملطخة بدماء شقيقه، عجز عن خداع نفسه.
“قال يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ”.

لم يندم قابيل”” لكونه أشد إيمانًا من إخوة يوسف، بل لكون جريمته قد تمت بشكل لا لبس فيها.
فذرف الدماء يحصحص الحق ويصحصح الشعور بالذنب ويزيل فرص خداع المرء لحاله.
■ ■ ■
وفقا لدراسة إنجليزية على عينة عشوائية بشأن قضايا الإعتداءات الجنسية تجاه الأطفال.
تبين أن زهاء 65 في المائة من الأطفال الذين تعرضوا لإعتدائات كاملة، كانت نسبة تكرار الإعتداء الجنسي معهم تقل عن سواهم من الاطفال الذين تعرضوا لتحرشات اقتصرت على تلامس خارجي.
حيث تم رصد تكرار أرعن للإعتداءات التي تتم دون إيلاج.
Without penetration
وقد ارجع الباحثون لثلاث أسباب:
الأول: لعدم قيام الأطفال “بالإبلاغ” أو اخطار ذويهم الا اذا حدث نزيف لهم. عدا ذلك، يُصَاب الطفل بتشوش وإضطراب، فيتردد قبل إبلاغ والديه، سيما لو كان المعتدي من أقاربه.
ثانيًأ: لا يقوم الأهل بتحرير محاضر قانونية ضد المتحرش إلا لو كان الأمر جلل، أي فقط عند حدوث نزيف أوتهتك لجسد الإبن أو فقدان عذرية.
ويعود احجام الأهل عن ابلاغ الشرطة لما يعتقدونه فضيحة، أو خوفًا من المسائلة أو الشعور بالتقصير وهلعًا من إنهيار صورة الأباء المتفانين، والتي اجادوا رسمها وسط محيطهم.. فيلوذون بالإنكار
Denial
ثالثا: قلما يشعر المغتصب بجرمه إلا لو حدث تهتك للشرج، نزيف أو فقدان عذرية لفريسته.
فالمجرم يلجأ أيضًا للإنكار وخداع نفسه بتشويه الحقائق، حتى أنه قد يصور الأمر لحاله على أن الطفل كان متجاوبًا معه، ثم يقنع نفسه أن الأمر بسيط، ولم يتعدى الملامسات السطحية، والتي يريد أن يراها غير مدمرة للطفل.
هذا الهراء ينطال على المجرم وعلى أهل الضحية لرغبتهم في تصديق هويتهم الخيرية.
ففي لمحة بصر، يقوم العقل بعشرات العمليات الذهنية، لحساب حجم الخسائر مقابل جريمة التستر، فيختير التستر على المجرم ولو كان الثمن تدمير نفسية الضحية.
كما أن ميكانيزم أجهزة الدفاع الذاتي اللاوعي للمُغتصب يُعَضد هذا الإتجاه. فيوهمه بعدم اقترافه لجرم عظيم، من منطلق أن كل إنسان خطّاء ولا داعي لتكبير الموضوع، ثم يحدث نفسه بأنه أفضل من الساسة الذين يشنون حروب مدمرة.
■ ■ ■
ويروى “علاء الاسواني” في رائعته “شيكاغو” قصة زوجة أحد المغتربين، والتي اشتكت لأهلها من قسوة معاملة زوجها، فنصحوها بالصير. فأخبرتهم بسكره وفحشه و عدم صلاته، فاصروا على الصبر، وأخبروها أنهم لن يدعموها لو طلّقت. فما كان منها إلا أن جمعتهم وواجههم ببعض، وأثبتت لهم أن زوجها يطالبها بمضاجعة مديره ليعلوا شأنه في العمل.
هنالك فقط اضطر الأهل “الأونطجيين” لتطليق إبنتهم، لا بنية مناصرة المظلومة أو إنتصارا للشرف، ولكن لعجزهم عن مواجهة بعضهم بعضًا متلبسين بتهمة جلل كالدياثة.
وفي نفس الرواية، يحكي “الأسواني” عن طالب مبتعث للدراسة، وكان شديد الإلتزام بمحاضراته، وما أن يعود لسكن الطلبة، حتىيتناول طعامه، يراجع دروسه، فيشاهد فيلم إباحي، ثم يصلي العشاء، ويتلو أذكار المساء وينام. ولا يزوره لوهلة هاجس إنتهاك حرمات الله.
■ ■ ■
المدهش أن حتى عُتاه الزناة، حين يُمارسون الدعارة بالتراضي، قلما يندمون، بل يتفاخرون بروايات عن فحشهم تلميحًأ عن فحولتهم.
بل يبلغ الصلف بمن يواقع امرأة متزوجة، أن يبرر الأمر، بكونه لم يضاجع زوجة أخيه، بل مارس الخنا مع زوجة غريب، ومن ثم يُقنع “الخنزأور” نفسه أن الأمر بسيط.
وهناك من يتوهم بأنه فارس، صادف إمرأة تعاني محنة الوحدة، فحتمت عليه أخلاق الفروسية إنقاذ أنثى من محنتها.
فعُتاة الزناة يتمتعون بهوية إيمانية مخنثة جعلتهم قلما يعترفون بالفحش، إلا لو وقع محظور الحبل.
والمثل يقول:
“عايزة، لكن خايفة الحبل”.
أي أنها مُقبِلة بكل كيانها على الفاحشة، لولا خشية جسم الجريمة (الحبل)،لا من حيث هو، بل من حيث تبعاته من فضائح.
فالبعض لايعنيه غضب الله ولا انتهاك حرماته أو خلط الأنساب أو التلاعب بالمواريث.
فضلًا عن أنهم لن يكترثوا لإلقاء رضيع برئ لمصير العار بتجهيل هويته، ليصبح مكتوم القيد، أو يمنح أوراق ثبوتية مرقومة بشكل مميز، لتحذير مجتمعه من المصاهرة من كارثة فرد قد يكون من المحارم.
■ ■ ■
فأونطجية البشر بحاجة ل”جلل” للإعتراف أمام أنفسهم بخطياهم.
أخذًا في الإعتبار أن مشاهدة الإباحيات لا تعد جللًا في شرعتهم.
كما أن هتك شرف حليلة الغريب أوالإعتداءات السطحية التي يسحقون بها الطفولة لا يَعُدونَها جَللًا.
وحرمان الإناث من ميراثهن لا يُعتبر جللًا، بل حفاظًا على ممتلكات العائلة.
وإلقاء الأخ في غيابت الجُب لا يُرى جللًا، طالما لا يوجد دماء.
■ ■ ■
فالأونطجي يتقن فن ارتياد النُزل الفخمة لتزوير هويته الإجتماعية
بنفس الطريقة التي يوهم بها ذاته أنه فارس يمنح الهوى للمحرومات لإنتشالهن من المِحَن. وبالأسلوب ذاته يسفك روح زوجته، ثم يرثيها بمنشور عاطفي يقطع نياط القلوب نوط نوط.
ويأكل إرث أخته، ثم يرسل لها سهم من الأضاح كقرابين خادعة.
إن شخصًا يستخدم خارطة تضاريس فكرية لسواه، لضال وإن اهتدى بعميان.
ان صور خداع النفس في عالمنا الحديث لا تحتاج سوي أونطجي يحرص على غسل بدنه لخمس يوميٍا، مع تناسى تطهير فكره ولو مرة بالعمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق