مقالات

رفقا بلغة الضاد

كتبت – زينب برادة

فتحت حسابي الفيسبوكي، طفقت أتجول في أزقته بعد أن اتخذت حيزا بحجم خمسة ميغا أوكتي، وبعد أن اقتطعت دقائق معدودات من وقتي الذي ضاق به الزمن بما رَحُب، فإذا بي للوهلة الأولى أصدم بكم المنشورات التي تفوق الغسيل المنشور بحبل الأمهات على السطوح، فتذكرت أننا بشهر التحليق في سماوات الإبداع، شهر المعارض الدولية للكتاب، إنه بحق شهر أمة إقرأ بامتياز ..
إلا أن صدمتي بما شاهدت عيني المجردة كانت ثورية، فقد كانت الركاكة سيدة الموقف، والناطق الرسمي بإسم اللغة، وقبل أن ترفعوا حواجبكم مستنكرين هذا الهجوم دعوني أبرىء نفسي من أحقية التعميم، فلست بمقام يخولني مبارزة الكُتَّاب كافة بشكل اعتباطي لا يستند إلى منطق، بيد أن حديثي هذا يخص فئة معينة باتت شبيهة بمد عسكري استباح حرمة الأدب، وهتك عرضه بدعم من دور نشر هدفها الأول والاخير العائد المادي فحسب ..
كل من سولت له نفسه طفق يكتب دون قواعد تحت مسميات عديدة أبرزها الإبداع، بل ويخطون كلمات عامية تنحدر إلى أسفل سافلين، فوالله لو أطل المنفلوطي على هذا العالم ووجد هذا الكم المهول من الفوضى يكتنف اللغة العربية، ويستبيح حرمتها، بعد أن اتخذت حيزا كبيرا غطى على قيمة الأدب الحقيقية، لأخذ مدفعا من نوع كلاشينكوف وطفق يقذف به في حنق تلك الكتابات الطفيلية الدخيلة المحسوبة على عالم الأدب، أما نجيب محفوظ فقد يعتزل الأدب برمته، بعد أن يشهد صوره التي اتخذها البعض واجهة لحساباتهم الشخصية، علما أنهم لم يقرأوا للكاتب العظيم عملا واحدا، ولا يملكون أسلوبا ولا قواعد، فقط مجرد مدعين يريدون بفعلتهم تلك أن ينالوا حظا من الشهرة.
إن عدم امتلاكنا قواعد لغوية، أو موهبة حقيقية، أو أسلوبا يشد القارئ ويستدرجه من حيث لا يعلم ولا يحتسب، ليس بالأمر الكارثي، إنما الأنكى والأدهى هو أن نسعى للكتابة بكل ما أوتينا من أبهة وافتخار وغطرفة، دون أن نتعلم ونستقي وننهل، ونتتلمذ على يد كتب هؤلاء العمالقة، كل العار أن نحاول جاهدين ولوج مضمار الكتابة عنادا، بشراسة غير مسبوقة، مع من سبقونا إليها، دون أن تثور الحروف بداخلنا محدثة انفجارات بركانية، تأتي على الأخضر واليابس.
لا يجب أن يكون هدفك من الكتابة أن تَحُفَّك جوقة طربية، تُشعرك بأنك كاتب متميز، وتغرقك بيم المديح المصطنع، وتُهيل عليك بالتصفيق والتهليل كلما هممت بكتابة حروف خُلاعية متهتكة وسقيمة، بينما بداخلك يتجلى العجز بكل صوره، عجز ونقص كبير، يعتمل معرفتك وأسلوبك ومهاراتك، فيختلط بذلك الحابل بالنابل، فتغذو حروفك كقطعة موسيقية باردة غير متناغمة، ويستحيل صوتك إلى نشاز، بل قد تُدخل القارئ إلى مسلخة لغوية أو مذبحة أدبية نتيجة عنفك وتهورك..

تمهل أيها الأديب المبتدئ فالكتابة كائن لطيف لا يحبذ العنف أبدا.. ومشوار الألف ميل يبدأ بخطوة صحيحة ومتزنة ..

إن الذي ملأ اللغات محاسنا
جعل الجمال وسرَّه في الضاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق